المقريزي
155
المقفى الكبير
فقال الجدليّ : وربّ الركن والمقام ، والحلّ والإحرام ، لتخلّينّ سبيله فينزل من مكّة حيث شاء ، ومن الأرض حيث أحبّ ، أو لنجالدنّك بأسيافنا ! [ 128 ب ] فقال ابن الزبير - ورأى أصحابه قد ملئوا المسجد ، وأنّ أصحاب ابن الحنفيّة لم يبلغوا المائتين - : وما هؤلاء واللّه لو أذنت لأصحابي فيهم ما كانوا عندهم إلّا كأكلة رأس ! فقال صخير بن مالك : أما واللّه إنّي لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحبّ . وقام الطفيل بن عامر فقال [ الرجز ] : قد علمت ذات الشباب الزود * والجرم ذي البضاضة الممسود أنّا الأسود بنو الأسود فقال ابن الحنفيّة لعامر : يا أبا الطفيل اومر ابنك فليسكت ! وتكلّم ابن الحنفيّة فقال : آمركم بتقوى اللّه وأن تحقنوا دماءكم . إنّي معتزل لهذه الفتنة حتى تجتمع الأمّة ، إذ اختلفت وتفرّقت ، فأطيعوني . وقال عبد اللّه بن عبّاس رضي اللّه عنهما لابن الزبير : قد نهيتك عن هذا الرجل وأعلمتك أنّه لا يريد منازعتك ، فاكفف عنه وعن أصحابه ! فقال : واللّه لا أفعل حتّى يبايع . أيبايع يزيد ولا يبايعني ؟ [ وصول الأمداد من الكوفة ] فمكث القوم ثلاثة أيّام قد صفّ بعضهم لبعض في المسجد ، والمعتمرون يمشون بينهم بالصلح . فلمّا كان اليوم الثالث قدم عليهم من قبل المختار أبو المعتمر في مائة ، وهاني بن قيس في مائة ، وضبيان بن عمارة القينيّ في مائتين ، ومعه مال بعث به المختار ، وهو أربعمائة ألف درهم . ثمّ أقبلوا جميعا حتّى دخلوا المسجد يكبّرون وينادون : يا لثارات الحسين ! - فلمّا رآهم أصحاب ابن الزبير خافوهم . ورأى ابن الحنفيّة أنّه قد امتنع وأصحابه ، فقال لهم : اخرجوا بنا إلى الشعب - ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم . فخرج فنزل شعب عليّ فضمّ إليه المال الذي عنده . وأتته الشيعة من عشرة وعشرين ، ورجل ورجلين ، حتّى اجتمع معه أربعة آلاف رجل أو نحوها . فقسم بينهم المال الذي أتاه ، ولمّا صار ابن الحنفيّة في هذا الجمع ، استأذنه قوم ممّن كان قدم إليه في إتيان الكوفة للإلمام بأهليهم ثمّ الرجوع إليه ، منهم عبد اللّه بن هاني الكنديّ ، وعقبة بن طارق الجشميّ ، ومالك بن حرام بن ربيعة [ 129 أ ] الكلابيّ ، وعبد اللّه بن ربيعة الجشميّ . فقدموا الكوفة . فلمّا كانت وقعة جبّانة السبيع « 1 » قاتلوا المختار إلّا عبد اللّه بن هاني ، فيقال إنّه رجع إلى ابن الحنفيّة . ثمّ إنّ المختار بعث إلى ابن الحنفيّة بثلاثين ألف دينار مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفيّ وعبد اللّه بن شدّاد الجشميّ ، والسائب بن مالك الأشعريّ ، وعبد اللّه - وهو عبدل - بن الخضل الطائيّ . وبعث معهم برأس عبيد اللّه بن زياد ، وحسين بن عبيد ، وابن ذي الكلاع . فنصبت الرؤوس على باب المسجد . وقسم ابن الحنفيّة بين أصحابه فقووا وعزّوا . [ تضعضع ابن الحنفيّة بعد قتل المختار ] ولم يزل ابن الحنفيّة بالشعب عزيزا أمينا حتى
--> ( 1 ) جبّانة السبيع بالكوفة . انظر الطبري 6 / 45 وقال ياقوت ( في مادّة جبّانة ) كان للمختار بها يوم .